ادورد فنديك

25

إكتفاء القنوع بما هو مطبوع

( 2 ) ( آداب العرب المنقولة أي الشعر في أيام الجاهلية ) لا علم لنا انه كان عند العرب آداب حقيقية مسطرة قبل أوائل القرن السابع بعد الميلاد اي قبل ظهور الدعوة الاسلامية . نعم كان الشعر عندهم مرتقيا غاية الارتقاء منذ قديم الزمان وذلك لأسباب وبواعث طبيعية يسوغ لنا ذكرها هنا بالاختصار فنقول . ان ديار العرب ومواطنهم الأصلية هي أراض في جزيرة العرب المتسعة أكثرها بواد وقفار قليلة الخيرات فتعوّد أهلها اي العرب لذلك منذ القديم على التفرّق والارتحال في طلب المرعى لمواشيهم . ولما كان الجوع كافرا صاروا يغزّون الغزوات على جيرانهم إذا اشتد عليهم ضيق العيش . ولذا لا يوجد قوم على وجه الكرة الأرضية أشد من العرب على تحمّل الجوع والعطش والعري ومكابدة الاخطار نهارا وليلا . ولما تخشنوا في أبدانهم وطباعهم تربوا أيضا بالأسباب نفسها على الشهامة والشجاعة والبسالة وعزة النفس فصاروا ابطالا أشداء شرفاء ورجالا غلاظا في آن واحد . لكن خشونة الأبدان وفظاظة الطباع عندهم تهذبت تهذيبا طبيعيا بتأثير المناظر الطبيعية التي أحاطت بهم في كل أوان ومكان . لان البوادي الواسعة والجبال الشامخة والسماء المرتدية تارة بالرداء الأزرق اللطيف والمتسربلة تارة بجلباب الغيوم والبروق والرعود أيقظت في أبدانهم وأذهانهم الحمية ونيرة التصوّر وهيجت في فؤادهم الاحساسات البشرية القوية التي تندفق من الصدر إلى الفم بالكلام البليغ فكانوا يهتفون وينشدون ويتفاخرون بافعالهم الرفيعة ويتباهون بحريتهم ويمدحون حفظ العهود والصداقة وقهر العدو وصيانة العرض كما هو شأن الأمم المنزهة عن الترف . وشاركتهم نساؤهم في ذلك لانهنّ أيضا تعودن معيشة البراري والبوادي فكن مع رجالهنّ في كل ما أصابهم من عز وذلّ ورغد وضيق . هذه هي الأحوال التي حملت العرب على النطق بالشعر سجية . فلنذكر الآن ما طبع منه ( 3 : ) ( المعلقات ) أشهر القصائد المنقولة عن أفواه الرّواة الباقية اي المحفوظة من أيام الجاهلية اكتفاء القنوع - ( 4 )